
عبد الغفور البُرعي الذي لا نَتَمَنّاه بقلم / جمال حمدان محاضر ومدرب معتمد في القانون والمهارات الإدارية
يُعَد مسلسل ( لن أعيش في جلباب أبي ) أحد أهم المُسلسلات المصرية ، بل وأصبح في رأي الكثيرين واحداً من أعظم كلاسيكيات الدراما المصرية وأكثرها تأثيراً في ضمير ووعي الأسرة المصرية .
وقد أبدع طاقم العمل الكل في مكانه ، بدايةً من السيناريست مصطفى محرم الذي عالج قصة من قصص أحد أكبر أدباء وكُتاب مصر وهو إحسان عبد القدوس ، فجاء المسلسل ناطقاً بشخوص حقيقية من كادحي الحارة المصرية وكذلك من الطبقة المتوسطة .
كما أبدع المخرج أحمد توفيق في إظهار التفاصيل الدقيقة التي تجعل من كل شخصية ولا سيما شخصية بطل القصة ( عبد الغفور البرعي ) شخوصاً حاضرين بيننا بالفعل ، أو حاضرين في ذاكرتنا ، ولا ننسى كيف أظهر العمل التفاصيل الدقيقة لمظهر شخصٍ ريفي كادح ، إذ هو يجلس مستنداً بظهره إلى الحائط ليأكل من طبق الكشري بينما ينتعل في قدميه ( شبشب بلاستيك ) تظهر منه قدمين تبدوان عليهما آثار أتربة الأرض.
كما قدم العمل نموذجاً للشخصية الجادة العِصامية المُجتهدة ، التي تعرف قيمة العمل والاجتهاد ، وتتمتَّع بالحكمة التي تمكنها من وضع كل شئ في موضعه الصحيح ، والتي لا تهيمن على قرارات بناته فيما يتعلق بأهم دقائق حياتهن وعلى رأسها قرار اختيار الزوج واختيار درجة التعليم ، وقدم لنا كذلك نموذجاً يُحتذى للمرأة المصرية الأصيلة ، والزوجة التي تمثل السند لزوجها والمُحافظ على بيتها.
ولكن … وعلى الرغم من هذا الوجه المُشرق لشخصيتنا بطل المسلسل ( الحاج عبد الغفور البرعي ) الذي ولا شك يثير الإعجاب والاحترام ، إلا أن هذه الشخصية جائت ولها جانب آخر مُعتم لا يحبه الكثيرون ، بل ويمكن القول وبارتياح أن تلك الشخصية ارتكبت عدة جرائم قانونية بل وإنسانية ، وإن ذابت قطراتها في بحر الصفات الحسنة للشخصية ، إلا أن أثرها الخفي ورسائلها السلبية التي قد تتسرب من بين ثنايا العمل العظيم ، توجب أن نتناولها وأن نلقي الضوء عليها ، حتى نأخذ من رسالة العمل كامل أثره الإيجابي ، ونبتعد عن ما عداها من سلبيات.
والنوع الأول وهو الجرائم الجنائية ، وأولها جريمة النصب ، نعم النصب ، إذ ما هو توصيف الإشاعة التي أطلقها البطل بالاشتراك مع ذراعه الأيمن ( فهيم أفندي ) لإيهام الوكالة بأن عبد الغفور قد وجد كنزاً ؟ ، وهو الأمر الذي سيمكنه طبعاً من المنافسة على كافة المزادات بل وإزاحة أي منافس له وفقاً لما تيسر له من ملاءة مالية مزعومة ، وما واكب ذلك من استعمال الطرق الاحتيالية اللازمة لتثبيت هذا الاعتقاد ، كسداد التأمين العالي جداً بعد مساعدة زوجته المخلصة ، حتى اضطر من كان له ( الدور ) إلى أن يسدد له عشرة آلاف جنيه حتى يُخلي البطل له الطريق للفوز بالمزاد.
وثانيها هو الاشتراك مع باقي تجار الوكالة في تقسيم السوق والإيهام بوجود منافسة غير حقيقية ، وهو نوع من انواع الاحتكار غير القانوني وتقسيم السوق الذي يعاقب عليه القانوني إذا ما تم إثباته.
والنوع الثاني من الجرائم هو الأخطر في رأيي ، وذلك لأنه يتعلق بالإنسان ، حيث تقع الجريمة على أساس بناء وتكوين الشخصية الإنسانية ، وقد وقعت جريمة الحاج عبد الغفور على ابنه وفلذة كبده ( عبد الوهاب ) .
ولن أستفيض في هذه الجريمة ولكن سأحاول أن أوجزها حتى لا يقع البعض فيها مع أولاده ، فإذا كان الرسول صلّى الله عليه وسلم وصف الأب والأم بأنهما ( راعيان ) في بيتهما ومسئولان عن رعيتهما ، فإن ذلك معناه أن كل منهما بمثابة القائد في البيت كلٌّ بحسب اختصاصاته وسلطاته.
ومن أهم صفات القائد التي يتناساه الكثير منا هي صفة التحفيز أي التقدير ، والتي من بين أنواعها ما يسمى بـ ( تحفيز الإبداع ) ، أو ما يُطلَق عليه أحياناً ( روح المبادرة ) ، ومضمونه قبول وتشجيع إبداء الرأي ، حتى ولو كان هذا الرأي غير مقبول ، والإعراب عن عدم قبول الرأي بطريقة ناعمة ذكية ، وهو نقيضٌ للكبت والقمع والاستهزاء بالرأي ، الذي كان يفعله البطل مع ابنه ، حيث كان يسفه من رأيه ومن أحلامه ، بل ويخرج على قواعد التوجيه السليم كصفة من صفات القائد الناجح ، حيث كان يهدد ابنه بأن يجبره على أن يكون نسخة منه ، من خلال تهديده بالعمل بالوكالة ولبس الجلباب قهراً ، وكل ذلك ظناً من البطل بأنه يوجه ابنه الوجهة الصحيحة في مستقبله التعليمي.
والتحفيز أو التقدير ليس مادياً فقط ، بل قد يكون التحفيز والتقدير المعنوي هو الأهم والأولى في حالات كثيرة ، ومن أهم مظاهر هذا التقدير المعنوي ، هو أن يشعر الطفل أو الابن أو الابنة بأن والده بجانبه ، يسنده ويهتم به ويتابع شئونه بنفسه كلما كان ذلك ممكناً ، ولا يُشعِره بالتخلي وبعدم الأهمية ، وهذا للأسف ما كان يفعله بطلنا بالفعل ، حيث لا يهتم بشئون ابنه المدرسية حتى مع استدعائه إلى المدرسة ، ويكتفي بإرسال ذراعه الأيمن ( فهيم أفندي ) ، الأمر الذي يرسل رسالةً نفسية سلبية لابنه مع التكرار ، مفادها عدم الاهتمام .
إن عدم التعامل النفسي بما يليق والكبت وقهر الرأي والتَّخلّي ، صنع من الابن الضحية شخصيةً مهزوزةً مُصابةً بالدونية ، وهذا الخلل النفسي هو في رأي الكثير من المتخصصين خلل نفسي مزمن ، يأبى هذا التحول الدراماتيكي الحاد الذي حدث في نهايات المسلسل ، وهو في رأي الكثير منهم مجرد نهاية سعيدة تمثل ضرورة درامية اجتماعيةً وإنسانية.
خذوا من ( عبد الغفور البرعي ) شخصيته الجادة العصامية المُحبةَ للعمل ، المُحب لأولاده والمخلص لزوجته ، ولا تأخذوا منها الجانب السلبي ، ذلك الجانب الذي وبالتأكيد لا نحبه ولا نرغبه ولا نتنمناه.




